
حصار السويس 100 يوم منسية
من حرب أكتوبر العيد السابع والثلاثون
رغم إلغاء يوم 24 أكتوبر كعيد للمقاومة الشعبية وأجازة رسمية في القطر المصري، إلا أن أبناء السويس لازالوا وعلي الأغلب سيظلون يتدارسون ما حدث في المائة يوم المنسية من حرب أكتوبر
حوار مع ابطال السويس فى العيد السابع والثلاثون
إعداد / سادات غريب
من هو قائد الفدائيين الحقيقي؟
النصر له ألف أب و الهزيمة لقيطة . تتأكد لكل منصف هذه الحقيقة عندما يلتقي فدائيّ منظمة سيناء العربية من أبناء السويس .مع مثل هؤلاء الرجال تجد الصدق مع الذات و التواضع و احترامهم العميق للقادة من رجال القوات المسلحة المصرية الذين دربوا و علموا هؤلاء الرجال وزودوهم بخبرات عميقة. الشهداء كانوا حاضرين في مآقي العيون المترقرقة بدموع الحنين والزملاء الغائبين لظروف المرض أو السفر كانوا أيضاً حاضرين ملء الجلسات المتتالية مع "محمود عواد حماد" قائد المجموعة في الحرب وزميليه "محمود أحمد طه" و "عبد المنعم محمود قناوي".
الخلفية الاجتماعية للرجال
24 أكتوبر 1967, 24 أكتوبر1973. يومان راسخان في ضمير الوطن. في اليوم الأول قام العدو الغادر بصب جام غضبه علي معامل تكرير البترول في السويس, مركزاً قصفه الحاقد علي معامل"شركة السويس لتصنيع البترول" كانت فعلة العدو النكراء انتقاما غير شريف لإغراق رجال البحرية المصرية "لمدمرة العدو إيلات" في معركة استخدمت فيها لأول مره لنشات الصواريخ سطح سطح فابتلعت مياه البحر المتوسط المدمرة في دقائق معدودة أذهلت العدو وأفقدته الصواب . ومن صفوف عمال "السويس لتصنيع البترول" خرج أغلب الرجال الذين انضموا لمنظمة سيناء العربية . ويشاء القدر أن يأتي آخر رد قوي لهم على العدو في يوم مثيل هو 24 أكتوبر1973 , حين شكلوا قلب الرد الحاسم على محاولة العدو اقتحام قلب مدنيتهم الحبيبة السويس .ليتكبد العدو خسائر فادحه تمثلت في تدمير و إحراق 34 دبابة و مصفحة و عشرات القتلى و الجرحى خلال 20 دقيقة من بدأ محاولته. لم يكن 24 أكتوبر 1973 هو يوم الرجال الوحيد مع العدو رغم أنه الأهم . كانوا جميعاً من الشباب الرياضي المتميز فمنهم مثلاً قائد المجموعة الأول الشهيد "مصطفى أبو هاشم" بطل ومدرب كمال الأجسام والمرحوم الفدائي / "غريب محمد غريب بطل فى السباحة والشهيد "سعيد البشتلي"بطل العالم العسكري للملاكمة بدورة روما 1964 والشهيد "أشرف عبد الدايم" بطل الجري الشهيد "إبراهيم سليمان" بطل الجمباز و الفدائي "عبد المنعم قناوي" بطل الرماية على المدارس الثانوية.
كانوا رياضيين جسداً وروحاً. الكل كان يتمتع بوجدان وطني وديني راسخ البنيان منذ الصغر فكيف تأهل أولئك الرجال لمواجهة تلك المواقف الصعبة و الحاسمة , نحاول في السطور القليلة التالية أن نلملم أطراف حكايتهم حكاية الصمود و الانتصار على الغطرسة الصهيونية.
الخطوات الأولي
عقب هزيمة 1967 , بادر مئات من أبناء القناة و سيناء بالتطوع عبوراً إلى الضفة الشرقية لإسعاف ونقل جرحانا من أفراد الجيش إلى الضفة الغربية. لا يمكن لأحد الآن أن يحصي أسماء أولئك الرجال المجهولين الذين تقدموا الصفوف تلقائياً دون دعوة من أحد سوى داعي الوطن. كثيرون منهم استمر في أداء الواجب لأكثر من عشرين يوماً مواجهاً أخطار الاحتكاكات مع عدو أسكرته نشوة نصر سريع و مفاجئ . لم تكن الخلفية العسكرية غائبة عن كثيرين من هؤلاء , كان من بين أولئك المرحوم الفدائي / "غريب محمد غريب" العريف المتطوع منذ العام 1956 في كتيبة للحرس الوطني , وحسبما سجل بصوته عام 1975 مع الإذاعي اللامع "حمدي الكنيسي" تمركز مع زملاء متطوعين طبقاً للأوامر على الشاطئ الغربي في بور توفيق , لحراسة مدخل القناة الجنوبي . وفي 14 يوليو 1967 تمادى العدو في غطرسته فأنزل قاربين بهما عدة أفراد ليقتربا من "شمندورة" الإرشاد في منتصف المجرى الملاحي , و بدأوا يحاولون رفع العلم الإسرائيلي على "الشمندوره" فتعامل معهم رجال الحرس الوطني …وانقلب احد القوارب وفر من عليه سباحة بينما التجأ القارب الأخر وعليه أفراد مسلحون من العدو الي قرب الشاطئ الشرقي فأمطرهم العريف المتطوع "غريب محمد غريب" ومن معه في الموقع بوابل من الرصاص اعلي خط السماء مما افقدهم السيطرة علي القارب … وهب الرجال وصحبتهم احد شباب نادي التجديف ولنش من هيئة القناة ليصلوا إليهم في دقائق ليتم اسر أول أسيرين بعد يونيو 1967 من العدو الإسرائيلي .. كانا ضابطا بحريا وصف جندي … وفي سياق الواقعة ذاتها يروي الأستاذ / حامد حسب عضو الحزب الناصري وأمين الدعوة بالاتحاد الاشتراكي آنذاك كيف تأخر إرسال مبرقة عن الواقعة الي اليوم التالي وبمجرد استلام الرسالة دق الجرس وعلي الخط المرحوم/ علي صبري اعلي قيادة في التنظيم السياسي طالبا تفاصيلا أكثر عن الواقعة. كان مندوب العدو بالأمم المتحدة يدعي ان خط منتصف المجري الملاحي للقناة هو خط وقف إطلاق النار ومندوبنا هناك كان في اشد الحاجة لما يدعم موقفه لنفي مزاعم العدو فجاءت معلومات المبرقة المدعمة بصور الأسيرين رداً مفحماً علي تلك المزاعم .

توالى تطور مهمات الرجال فمع اقتراب العام من نهايته (1967) أسندت مهام لزرع الألغام بالضفة الشرقية لـ "غريب محمد غريب " و"عبد المنعم خالد" و"محمود عواد" كانوا يعبرون في فلايك ( قوارب صغيرة)من البحيرات المرة تحت إشراف وتوجيه النقيب "فاروق زمزم" وفي احدي المرات وبعد ان أتم "غريب" و"عبد المنعم" مهمتهما في زرع ألغامها وقبل ان ينتهي "عواد" من مهمته سمع الرجال صوت آليات العدو تقترب.
سارع عواد بوضع ثلاثة ألغام في حفرة واحدة علي حافة الطريق مباشرة لينسحبوا سريعا ويصعدوا للفلوكة(القارب الصغير) وقبل قطع ثلث المسافة دوي انفجار غير مسبوق في عملياتهم .. فاهتز القارب وواصلوا حتي الضفة الغربية حيث وجدوا النقيب "زمزم" خائضاً في الماء الي ركبتيه ليحتضنهم مهللا .. في الدقائق التالية للانفجار راحت عناصر المخابرات في الضفة الاخري تبلغ القيادة بحجم الانفجار الهائل واحتراق عشرات من أفراد العدو …
من مثل تلك العمليات علي طول القناة التي قام بها الفدائي المرحوم "غريب محمد غريب مع أمثال هؤلاء الرجال بدأت الفكرة تتبلور للإجابة عن السؤال "لماذا نترك العدو علي الأرض الطاهرة دون ان يدفع ثمنا غاليا في كل لحظة؟".
"منظمة سيناءالعربية" و "منظمة التحرير الفلسطينية"
ربما كان الفدائي "عبد المنعم خالد" أول من ذهب من مجموعة السويس الي مقر "منظمة التحرير الفلسطينية" بالقاهرة طالباً الانضمام للعمل الفدائي لكنه لم يكن الوحيد او الأخير . شباب مدن القناة وسيناء كانوا يتتبعون أخبار العمليات الفدائية ويتعطشون للمشاركة بفاعلية اكبر في المهمة المقدسة.لم يكن الأمر خافيا علي القيادتين السياسية والعسكرية .. وأصبح الواقع يطرح السؤال بإلحاح "لماذا لا ينشأ وعاء ينتظم فيه أبناء القناة وسيناء لمقاومة العدو علي الضفة الشرقية"؟
قامت القيادة العسكرية بالتيقن من صدق وصلابة هؤلاء وسألتهم ان كان لديهم أصدقاء بمثل هذه المواصفات ؟ كانت الإجابة بنعم .. وتجمع العشرات. في السويس وكما يقول "محمود عواد" بدأنا التدريب علي أيدي رجال لن ننساهم ما حيينا منهم الرائد "حسين دراز" والضابط "شبايك" واللواء "مختار حسين الفار" ،وهو بالمناسبة نجل الفنان الجميل حسين الفار، وقد حصل علي المركز الثالث من بين 99 ضابط علي مستوي العالم في فرقة الصاعقة الأمريكية "رينجرز". هؤلاء الرجال من أبناء القوات المسلحة وغيرهم كثيرون ومن أهمهم يوم 24 أكتوبر قائدنا العقيد"فتحي عباس" مدير مكتب مخابرات جنوب القناة آنذاك .. لم يبخلوا علينا بالجهد التدريبي والتعليم والتوجيه المعنوي في أية لحظة.
كان موقع التدريب الدائم لنا في منطقة "بير عديب" علي الساحل الغربي لخليج السويس، الآن أصبح محاطاً بشاليهات تساوي ملايين الجنيهات. كان التوجيه الأساسي الذي حافظنا عليه هو "السرية". لم نعد نسمح لأنفسنا بالتحدث الي أصدقائنا في السويس عما نفعل .. وكنا إذا اكتشفنا أحداً بيننا يتفاخر في احد المجالس نسارع بطلب استبعاده بل ونستبعده بأنفسنا. لقد تعودنا علي هذه الفضيلة وحافظنا عليها حتي بعد انتهاء المعارك، لقد ظللت أنا مثلا ارفض ال
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ